غفلة الأدباء
توصف حياة العباقرة المميزين بأنها حياة فنانين، حيث تجدهم يتعاطون الفوضى، ويتناولون الشتات، ويتغنون بالضياع، وتستحوذ عليهم الغفلة، ولقد قال شاعرهم حافظ إبراهيم: ولذيذ الحياة ما كان فوضى ليس فيه مسيطرٌ أو أميرُ! أهل الفن -الفن بمفهومه الشامل- يمتازون بالغياب، ويغوصون في بحيرة الذهول، يرحلون عن الحضور، عبر أرواحهم، التي تسافر بهم إلى غياهب القمر، ومساقط الشمس، ينتشرون في الجهات الأصلية والفرعية، يتوضؤون من نسيم الريح، ويستنشقون ما لذ ولَطُفَ من روائح الفضاء المعطر بعبير شواطئ الأحلام البنفسجية! يُروى أن الرئيس جمال عبدالناصر، كلّف من يتصل هاتفياً بالأستاذ الكبير عباس محمود العقاد، ليخبره أن السيد الرئيس يرغب بلقائه، فحدد العقاد الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي موعداً للقاء، وفي العاشرة والنصف من ذلك الصباح، عاد الرجل إلى الاتصال هاتفياً به ليسأله عن السبب في عدم حضوره لمقابلة الرئيس، فكان جواب العقاد: الحضور إلى أين؟! لقد انتظرت الرئيس في بيتي أكثر من نصف ساعة ولم يحضر!. إن العقاد من غفلته ظن أن السيد الرئيس سيزوره في منزله (العامر بالأدب)! هكذا يكون الأديب الفنان حين تدركه غفلة الصالحين!. الأدباء حين يكونون على سجيتهم، تتراكم دهشة الحياة، فيسيرون فيها ذاهلي الفكر، مطرقي الرؤوس، لا يألون على شيء غير جعل الكتب والقراءة مثل الخبز اليومي للناس!. هذه الفئة من خلق الله -جل وعز- يهيمون في ملاحقة التعب، ويعشقون معانقة العناء.. إذا وجدوا السعادة رفضوا التأقلم معها، يقول أحدهم: وما السَّعادةُ في الدُّنْيا سِوى شبح حتى إذا صار (حقاً).. ملَّهُ الْبشرُ! أصواتهم رقيقة الوقع على المسامع، لأن الخشونة من دواعي التطرُّف والجفاء والقسوة.. لم يكونوا أكثر من ثمرات تفاح تُعوى وتُفرى؛ لتشعل الحيرة والارتباك في عتمة الظنون، يقف أحدهم -أظنه أدونيس- باحثاً عن هويته: من أنا؟ أيُّ هوىً أحيا له؟! أُفُقِي وعدٌ.. وعيناي انتظارُ! إن هُويات هذه الفئة الحائرة، ليست أكثر من حقائب صغيرةٍ، تضم في جوفها (لسان العرب) و(العقد الفريد) و(من شيم العرب)، يحملون حقائبهم مصرّحين بأنها تستوعب الكون كله.. وهذه غفلة أخرى تغشى الأدباء! يسيرون في الأرض، يصارعون الوراء، والريح، والبرق، والرعد، والزمن العربي الذي يتوضأ بالجراح، يفركون أصابعهم باحثين عن المراكب الغارقة في لجة السنين، مسطرين في دفاترهم صراع الخشب مع المسامير، تداخل الخنجر والجراح، وتداعيات المطرقة والحجر، يكتبون كل ذلك بالحبر المكسور، المنبثق من هشيم الزجاج اللفظي، الذي ملأ الدنيا وشغل الناس.
©